أحمد فارس الشدياق

179

الواسطة في معرفة أحوال مالطة

متساوية لا اختلاف فيها إلا ما ندر . أمّا أهل الطبقة الثانية فإنّ لهم من وجه نزوعا إلى الأولى بالنظر إلى العزّ والاستبداد ، ومن وجه آخر ينزعون إلى الباقي بالنظر إلى الجنسية والألفة . والغالب على جميع هذه الطبقات حبّ الوطن والمباهاة بما عندهم من الصائع والأحكام ، والإذعان للقوانين التي بنيت عليها معاملات دولتهم ودواوينهم . وحيث كان أصحاب الطبقة الأخيرة هم الجمهور الأكبر كما ذكرنا ، وهم الحريون بأن يقال فيهم بريتانيون ، أو إنكليز لكونهم بقوا على قديم أحوالهم وأطوارهم ولم يعرفوا غيرهم من الأجيال لا بالمعاشرة ولا بالمطالعة ، وجب أن نقدّم ذكرهم أولا فنقول : إن أوّل خلّة يراها الغريب فيهم هي عدم اكتراثهم له ونفورهم منه وابتعادهم عنه ، فلا يفرحون لفرحه ، ولا يحزنون لحزنه ؛ بل لا يعني أحد منهم بشأن جاره ، ولا يهمّه أمر غير أمر نفسه . فكلّ ذي حرفة يقتصر على الاشتغال بحرفته مدّة حياته ، ولا يتطاول إلى معرفة شيء غيرها . فالفلاح مثلا لا يعرف شيئا إلا ما آل إلى الحرث والزرع ، والقين لا يدري ممّا يحدث في بلاده سوى ما اختصّ برواج سعر الحديد ، والطلب على الأدوات المصنوعة منه وهلم جرّا إلى المهندس والطبيب . وإذا استراح الرجل منهم ساعة قضاها بذكر ما عمل وما سوف يعمل . ويقال إن بهذه الخصلة استتبّ عزّ دولة الإنكليز وعظمت شوكتها لأن الرعية لا تعترض ذوي الأمر والنهي في تدبيرهم ، ولا يتطاولون إلى معرفة ما تقتضيه سادتهم وأهل شوراهم ؛ فلذلك قلّما يحدث عندهم شغب أو فتنة . بخلاف أهل فرنسا فإنّ كلا منهم يتطفّل على أولياء الأمر ، وهذا هو السبب في كثرة العساكر وقلّتها هنا . فإن جميع ما في بلاد الإنكليز من العساكر لا يزيد على خمسة وعشرين ألفا ، فإذا قسمتها على عدد الأهلين وهو سبعة عشر مليونا ونيّف كان كأنّه قطرة من بحر . ولقائل أن يقول أيضا : إن لذلك أي لعدم الفتنة سببا آخر ، وهو فقرهم المانع لهم من الاشتغال بغير ما يكسبهم القوت الضروري . فإنّ هؤلاء النحل العسّالة في خيلة الاجتماع الإنساني إنّما يعملون كما قال بعضهم لتسمين الزنانير البطّالة . وهم أطوع خلق الله لأولياء أمورهم ، فلو نهوهم عن أن يناموا مع نسائهم لانتهوا . ويمكن أن يقال